محمد داوود قيصري رومي

636

شرح فصوص الحكم

إشارة إلى قوله تعالى : ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ذنوبكم ) . وقوله : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) . وللتقوى مراتب : فإن تقوى العوام ، الإتقاء عن النواهي . وتقوى الخواص ، الإتقاء عن إسناد الكمالات إلى أنفسهم والأفعال والصفات إليها . وتقوى الأخص من الكمل ، الإتقاء عن إثبات وجود الغير مع الحق فعلا وصفة وذاتا . وهذه مراتب التقوى لله . وهو قبل الوصول إلى مقام الجمع . وأما مراتب التقوى بالله وفي الله ، فهو إنما يكون عند البقاء بعد الفناء . ولكل مرتبة من مراتب التقوى فرقان يلزمها . فأعظم الفرقانات ما يكون في مقام الفرق بعد الجمع . ( وهو مثل ما ذكرنا في هذه المسألة فيما يتميز به العبد من الرب . وهذا الفرقان أرفع فرقان ) . أي ، ذلك الفرقان الحاصل من التقوى بالله وفي الله ، هو مثل الفرقان الذي ذكرناه في هذه المسألة من تميز العبد من الرب . وهذا الفرقان أرفع فرقان ، لأن الحق هو الذي ظهر بصورة العبد ، وأظهر فيه صفة الخالقية ، فاشتبه على الخلق بأنه عبد أو حق . شعر ( فوقتا يكون العبد ربا بلا شك لأنه يظهر بالصفات الإلهية والربوبية ، وإن كانت عرضية بالنسبة إليه . ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك ) لأنه يظهر بصفة العجز والقصور . والعبودية ذاتية للعبد بخلاف الربوبية ، فإنها عرضية له . وإنما قال : ( ووقتا ) لأنه كل ساعة في شأن : تارة في شؤون الكون ، وتارة في شؤون الحق . واعلم ، أن لكل إنسان نصيبا من الربوبية . وأما الربوبية التامة هي للإنسان الكامل ، لأنه الخليفة ، وكذلك له العبودية التامة . فلو تحمل هذه الأبيات على الكامل تكون صحيحا ، وعلى غيره أيضا كذلك . فافهم . ( فإن كان عبدا ، كان بالحق واسعا أي ، فان ظهر العبد بصفة العبودية ، كان واسعا بالحق قادرا على الأشياء بحوله و